الشنقيطي

175

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الوجه الذي ذكرنا خلى بين مالكيه ، وبينه ، وبعد الجذاذ يأتون بقدر الزكاة على الخرص المذكور تمرا أو زبيبا ، وبذلك يحصل الجمع بين الاحتياط للفقراء والرفق بأرباب الثمار ، فإن أصابته بعد الخرص جائحة اعتبرت وسقطت زكاة ما اجتاحته الجائحة ، فإن بقي بعدها خمسة أوسق فصاعدا أخرج الزكاة وإلا فلا ، ولا خلاف في اعتبار الجائحة بعد الخرص بين العلماء . وممن قال بخرص النخيل والأعناب : الأئمة الثلاثة : مالك ، والشافعي ، وأحمد - رحمهم اللّه تعالى - وعمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة ، ومروان والقاسم بن محمد ، والحسن وعطاء والزهري ، وعمرو بن دينار وعبد الكريم بن أبي المخارق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور وأكثر أهل العلم كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني ، وحكي عن الشعبي ، أن الخرص بدعة ، ومنعه الثوري ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم ، وإنما كان الخرص تخويفا للقائمين على الثمار لئلا يخونوا ، فأما أن يلزم به حكم فلا . قال مقيده عفا اللّه عنه : لا يخفى أن هذا القول تبطله نصوص السنة الصحيحة الصريحة ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي رضي اللّه عنه ، قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة « تبوك » فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اخرصوها ، فخرصناها ، وخرصها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشرة أوسق » وقال : أحصيها حتّى نرجع إليك ، إن شاء اللّه ، وانطلقنا حتّى قدمنا تبوك ، فذكر الحديث « 1 » . قال : « ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى ، فسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها ؟ قالت : بلغ عشرة أوسق » فهذا الحديث المتفق عليه دليل واضح على مشروعية الخرص ، كما ترى . وعن عتّاب بن أسيد رضي اللّه عنه : « أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يبعث على النّاس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم » أخرجه أبو داود ، والترمذي « 2 » ، وابن ماجة « 3 » وابن حبان « 4 » . وعن عتاب رضي اللّه عنه أيضا قال : « أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يخرص العنب ، كما يخرص النّخل فتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النّخل تمرا » أخرجه أيضا أبو داود « 5 » ، والترمذي « 6 » ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الزكاة حديث 1481 ، ومسلم في الفضائل حديث 11 . ( 2 ) كتاب الزكاة حديث 644 . ( 3 ) كتاب الزكاة حديث 1819 . ( 4 ) كتاب الزكاة حديث 3267 . ( 5 ) كتاب الزكاة حديث 1603 و 1604 . ( 6 ) كتاب الزكاة حديث 644 .